النور والضياء في تأويل قوله تعالى { وكان عرشه على الماء }

التحلية بأمر كن والتخلية عن كل مايكون
واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

النور والضياء في تأويل قوله تعالى { وكان عرشه على الماء }

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الأربعاء أغسطس 15, 2012 3:29 am

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِيـــــــــــنَ ، الرَّحْمــنِ الرَّحِـــيمِ ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّيـــــنِ ،
اللــــهم صَـــلِّ عَلَى سَيدِّناَ مُحَمَـــــّد وعلى آل سَيدِّناَ مُحَـــــمَــــــّد
كَمَــــا صَلَّيْــــــتَ عَلَى سَيدِّناَ إِبْرَاهِــــــــيم وعلـــــــى آل سَيـــدِّناَ
إبراهيــــــم إِنَّكَ حَمِــيدٌ مَجِــيدٌ اللـــــهم بَارِكْ عَلَى سَيدِّناَ مُحَــــمَّــــد
وعلى آل سَيدِّناَ مُحَمَّــــــــد كَمَا بَارَكْــــتَ عَلَى سَيدِّناَ إَبْرَاهِـيــــم
وعلى آل سَيدِّناَ إبراهيم إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ،وَسلِّم تَسْليماً كَثيرَاً،وأمّا بَعْدُ
السَّـــــلامُ عَلَيْـــكُمْ وَرَحْمَــــةُ الــلَـــــّهِ وَبَرَكَاتُــــه وَفَـتـْحـُـه وَرِضـْـوَانـُــه






يقول مولانا الإمام العارف الرباني أحمد بن عجيبة الحسني في كتابه (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )


قوله جلّ ذكره { وَهُوَ &لَّذِي خَلَق &لسَّمَ&وَ&تِ وَ&لأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى &لْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ &لْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ &لَّذِينَ كَفَرُو&اْ إِنْ هَـ&ذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } سورة هود

يقول الحق جل جلاله { وهو الذي خلق السماوات والأرض } وما بينهما وما فيهما { في } مقدار { ستة أيام } من أيام الدنيا، أو خلق العالم العلوي والسفلي في مقدار ذلك وجمع السماوات دون الأرض؛ لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات { وكان عرشه على الماء } قيل لم يكن بينهما حائل، وكان موضوعاً على متن الماء واستدل به على إمكان الخلاء، وعلى أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم وقيل كان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك قاله البيضاوي

قلت الخلاء هو الفضاء الخارج عن دائرة الأكوان وهو عند المتكلمين من جملة الممكنات، ووجه الاستدلال من الآية على إمكانه أن العرش والماء لما كانا محصورين لزم أن يكون ما خرج عنهما خلاء، وكل ما سوى الله فهو ممكن وعند الصوفية هو أسرارالذات الأزلية الجبروتية، كما أن الأكوان هي أنوار الصفات الملكوتية، ولا شيء معه، { سبحانه وتعالى عما يشركون } ونقل بعض أهل التاريخ أن الله تعالى خلق بعد العرش ياقوته صفراء، ذكروا من عظمتها وسعتها، ثم نظر إليها، فذابت من هيبته، فصارت ماء، فكان العرش مرتفعاً فوقها، ثم اضطرب ذلك الماء، فعلته زبدة، خلق منها الأرض، ثم ارتفع من الماء دخان خلق منه السماوات هـ

خلق ذلك { لِيبلُوكم أيُّكم أحسن عملاً } أي ليختبركمْ اختباراً تقوم به الحجة عليكم، { أيكم احسن عملاً } بالزهد في هذا العالم الفاني، وتعلق الهمه بالعالم الباقي قال البيضاوي أي يعاملكم معاملة المبتلى لأحوالكم، كيف تعملون؟ فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها ثم قال فالمراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك قال صلى الله عليه وسلم أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله والمعنى أكمل علماً وعملاً هـ

قال المحشي ويتجه كون المعنى أيكم أكثر شكراً لله على تمهيد تلك المنافع والمصالح والشكر يشمل الطاعات القلبية والبدنية ويحتمل أنه كآية { وَمَا خَلَقْتُ &لْجِنَّ وَ&لإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }الذاريات وأن بقاء الدنيا وخلقها إنما هو للتكليف، فإذا لم يبق في الأرض من يعبد الله انقضت الدنيا، وجاءت الساعة، كما تقتضيه الأحاديث الصحاح والمتبادر ما قدمناه، وحاصله أنه خلق الأشياء من أجل ابن آدم، ولتدله على خالقه فيجني بها ثمار معرفته تعالى، ويعترف بشكره، وإفراد عبادته وقد جاء خلقت الأشياء من أجلك وخلقتك من أجلي

قلت فيكون المعنى هو الذي أظهر الوجود من عرشه إلى فرشه، ليختبركم أيكم أحسن عملاً بالاشتغال بالله، والعكوف في حضرته دون الوقوف مع ظاهر الكون، والاشتغال بحسه، مع كونه خُلق من أجله

ثم قال وقوله تعالى { لئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت } الآية، هو تنبيه على أن الإنكار الكفار للبعث بعد إقرارهم بأن الله تعالى خالق العالم، الذي هو أعظم من البعث، تناقض منهم؛ لأن إقرارهم بقدرته على الأكبر، ثم إنكارهم لما هو أيسر تناقض هـ أي ولئن ذكرت لهم البعث بعد الموت لقالوا ما هذا إلا سحر ظاهر أي ما البعث أو القول به، أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان وقرأ حمزة ساحر أي القائل بهذا والله تعالى أعلم

الإشارة في صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم كَانَ اللَّهُ ولا شَيء مَعه، وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ الحديث فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الحق جل جلاله كان في أزله لا شيء معه، ثم أظهر الأشياء من نوره بنوره لنوره، فهو الآن على ما كان عليه وعن أبي رَزِينٍ قلنا يا رَسُولَ الله! أَيْنَ كَانَ ربُّنَا قَبْل أنْ يَخْلُقَ خَلقَهُ؟ قال كَان في عَمَاءٍ ما فَوْقَه هَوَاءٌ، ومَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وخَلَق عَرشَه عَلَى المَاءِ والعماء هو الخفاء، قال تعالى { فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ &لأَنبَـآءُ }القصص ،أي خفيت ويقال للسحاب عماء؛ لأنه يخفى ما فيه وقال الششتري في المقاليد كان في عمّى، ما فوقه هَوَاء، وما تحته هواء هي الوحدة المُصْمتة الصّمدية، البحر الطامس الذي هو الأزل والأبد، فلم يكن موجود غير الوجود هو هوهـ

والحاصل أن الحق جل جلاله كا في سابق أزله ذاتاً مقدسة، لطيفة خفيفة عن العقول، نورانية متصفة بصفات الكمال، ليس معها رسوم ولا أشكال، ثم أظهر الحق تعالى قبضة من نوره حسية معنوية؛ إذ لا ظهور للمعنى إلا بالحس، فقال لها كوني محمداً، فمن جهة حسها محصورة، ومن جهة معناها لا نهاية لها، متصلة ببحر المعاني الأزلي، الذي برزت منه، وما نسبتها من ذلك البحر من جهة حسها إلا كخردلة في الهواء وقد أشار ابن الفارض إلى وصف هذه الخمرة الأزلية ـ وهو تفسير للعماء المذكور قبلُ ـ فقال

(صفاءٌ ولا ماءٌ، ولُطفٌ ولاَ هواً *** ونورٌ ولا نارٌ، وروحٌ ولا جِسمٌ )
(تَقَدَّمَ كلَّ الكائنات حديثُها *** قديماً ولا شكلٌ هناك، ولا رَسْم)
(وقامت بها الأشياءُ ثمَّ لحكمَةِ *** بها احتَجَبَت عن كلّ من لا له فَهْمُ )

فالأشكال والرسوم متفرعة من تلك القبضة المحمدية، والقبضة متدفقة من بحر الجبروت الذي لا نهاية له، فهي حقيقة، وما ظهر تحديدها إلا من جهة حسها فهي كثلجة في بحرٍ، ماؤها الباطن متصل في البحر، وظاهرها محدود محصور فالأشكال كلها غريقة في بحر الجبروت ولذلك قال صاحب العينية

(هو العَرْشُ الكُرسِيُّ والمَنْظَرُ البهي *** هو السِّدرةُ التي إِليهَا المَرَاجعُ )

وقال أيضاً

(هُوَ المُوجِدُ الأَشْيَاءِ وهوَ وُجُودُهَا *** وعَيْنُ ذَوَاتِ الكُلّ وهْوَ الجَوَامعُ )
(فَأوْصَافُهُ والاسْمُ والأثَرُ الذي *** هُو الكَونُ عَيْنُ الذَّات والله جَامِعُ )

فالأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، فالحق تعالى كما كان لا شيء معه، فهو الآن كما كان إذ التغير في حقه تعالى مُحال، ولا يعلم هذه الأسرار إلا من صحب أهل الأسرار، وحسب من لم يصحبهم التسليم كما رمزوا وأشاروا إليه

( وإن لَمْ تَرَ الهِلال فَسَلَّمْ *** لأُناسٍ رَأوْهُ بالأبْصارِ )

وقوله تعالى { ليبلُوكم أيكم أحسنُ عملاُ } أي ليظهر منكم من يقف مع الأكون، ومن ينفذ إلى شهود المكّون وهو الذي حسن عمله، وارتفعت همته ولئن قلت أيها العامي إنكم تحيون بالمعرفة من بعد موت قلوبكم بالجهل والغفلة إن صحبتمُوني، ليقولن أهلُ الإنكار إن هذا إلا سحر مبين اهـ



(يتبع إن شاء الله تعالى مع أقوال أخرىبلغّنا وإياكم والأمّة المحمدية المرحومة ليلة القدر وأفاض علينا وعليكم الفيض الأسنى )

العودة إلى ”هالة الإيمان مبتغى الإنسان“