مواقف تربوية من السيرة النبوية

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة النبوية

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:12 am

إفهام المخطئ بأنّ عذره الزائف غير مقبول

يحاول بعض المخطئين تقديم مبررات مختلقة وغير مقبولة وخصوصا إذا انكشف أمرهم بغتة على حين غرة منهم بل قد يبدو على بعضهم التلعثم وهم ينطقون بالعذر الزائف وخصوصا الذين لا يُحسنون الكذب لنقاء في سرائرهم فكيف يتصرّف المربي يا تُرى إذا صادف مثل هذا الموقف من أحد المخطئين ؟ إن القصة التالية تبيّن موقفا رائعا ودقيقا للنبي صلى الله عليه وسلم مع أحد أصحابه ويظهر من خلال القصة المتابعة المستمرّة من المربي للمخطئ إلى حين تخلّيه عن موقفه الخاطئ

عن خوّات بن جبير رضي الله عنه قال نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ الظهران ( موضع بقرب مكة)قال فخرجت من خبائي فإذا نسوة يتحدثن فأعجبنني فرجعت فاستخرجت عيبتي (وعاء توضع فيه الثياب) فاستخرجت منها حُلّة فلبستها وجئت فجلست معهن فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقالأبا عبد الله!! أي أنه يُنكر عليه جلوسه مع هؤلاء النسوة الأجنبيات فلما رأيت رسول الله هبته واختلطت تلعثم يبحث عن عذر ،قلت يا رسول الله جمل لي شرد وأنا أبتغي له قيدا أتى رضي الله عنه بعذر غير صحيح ليبرر به فعله فمضى واتبعته فألقى إليّ رداءه ودخل الأراك كأني أنظر إلى بياض متنه في خضرة الأراك ، فقضى حاجته وتوضأ وأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره ، فقال أبا عبد الله ما فعل شراد جملك ؟ ثم ارتحلنا فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال السلام عليك أبا عبد الله ، ما فعل شراد ذلك الجمل ؟ فلما رأيت ذلك تعجّلت إلى المدينة واجتنبت المسجد ومجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فلما طال ذلك تحيّنت ساعة خلوة المسجد فخرجت إلى المسجد وقمت أصلّي وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعض حُجَره فجاء فصلى ركعتين خفيفتين وطوّلت رجاء أن يذهب ويدعني ، فقال طوّل أبا عبد الله ما شئت أن تطوّل فلست قائما حتى تنصرف ، فقلت في نفسي والله لاعتذرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأُبْرِئن صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما انصرفت قال السلام عليك أبا عبد الله ، ما فعل شراد جملك ؟ فقلت والذي بعثك بالحقّ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت فقال رحمك الله ثلاثا ، ثم لم يعد لشيء مما كان

قال الهيثمي رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير الجراح بن مخلد وهو ثقة المجمع وبالرجوع إلى المعجم الكبير للطبراني

إنه درس رائع في التربية والخطة الحكيمة المؤدية إلى النتيجة المطلوبة ، ويمكن أن يؤخذ من القصة أيضا الفوائد التالية


*المربي صاحب الهيبة يستحي منه من لابس المعصية إذا مرّ به
*إن نظرات وسؤالات المربي ـ على وجازتها وقصرها ـ لها دلالاتها الكبيرة وأثرها في النفوس
*عدم مناقشة العذر الملفّق لحظة سماعه ـ مع وضوح الثغرة فيه ـ والإعراض عن صاحبه يكفي في إشعار المخطئ بعدم قبوله مما يدفعه للتوبة والاعتذار ، وهذا يُؤخذ من قوله فمضى
*المربي الجيد هو الذي يجعل المخطئ يشعر بالاستحياء منه الموجب للتواري عنه ، والحاجة إليه الموجبة للإتيان إليه ثم يتغلب الثاني على الأول
*إن تغيير الموقف من المخطئ ينبني في مثل هذه الحالةعلى إظهار اعترافه ورجوعه عما حصل منه

إن موقع المربي والقدوة في نفس أصحابه كبير وعظيم ولومه لبعضهم أو تخطئته تقع بموقع وقد يلاحظ المربي مصلحة أشخاص آخرين في إنكاره على أحد أصحابه من أجل المنفعة العامة ولكن هذا لا يعني ترك الأثر السلبي الخاص باقيا بل يُمكن تداركه ومحو أثره بطرق منها المعاتبة من قِبَل التابع ولو بطريق واسطة كما فعل المغيرة بتوسيط عمر رضي الله عنهما وفي المقابل إيضاح الموقف والتأكيد على مكانة التابع وحسن الظنّ به من قِبَل القدوة والمربي

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:15 am

يا رسول الله ائذن لي في الزنا

إقناع المخطئ


إن السعي لمناقشة المخطئ بغية إقناعه يؤدي إلى إزالة الحاجز الضبابي الذي يعتري بصيرته فيعود إلى الحق وإلى طريق مستقيم

ومن أمثلة ما ورد في السنّة بشأن هذا، ما رواه الطبراني رحمه الله تعالى في معجمه الكبير، عن أبي أمامة رضي الله عنه أن غلاما شابا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ائذن لي في الزنا فصاح به الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « مه، أقروه، ادن»، فدنا حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم « أتحبّه لأمّك ؟ قال لا، قال وكذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم أتحبه لابنتك ؟ قال لا قال وكذلك الناس لا يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك ؟، قال لا قال وكذلك الناس لا يحبونه لأخواتهم، أتحبّه لعمتك ؟ قال وكذلك الناس لا يحبونه لعماتهم أتحبه لخالتك ؟ قال لا قال وكذلك الناس لا يحبونه لخالاتهم فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على صدره وقال اللهم كفّر ذنبه وطهّر قلبه وحصّن فرجه»

مراعاة ما هو مركوز في الطبيعة والجبلّة البشرية


ومن ذلك غيرة النساء وخصوصا بين الضرائر، فإن بعضهن قد تخطئ خطأ لو أخطأه إنسان في الأحوال العادية لكان التعامل معه بطريقة مختلفة تماما

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي مسألة الغيرة بين نسائه وما ينتج عنها من أخطاء مراعاة خاصة يظهر منها الصبر والحلم مع العدل والإنصاف

ومن أمثلة ذلك ما رواه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عَنْ أَنَسٍ قَالَ « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ ( إناء واسع ) فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ »

وغيرة المرأة أمر مركوز فيها يحملها على أمور شديدة ويحول بينها وبين التبصّر بعواقب الأمور حتى قيل إن المرأة إذا غارت لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم من غير تعنيف، يدل على مراعاته لطبائع النساء وما جبلوا عليه من الغيرة

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:17 am

مصارحة المخطئ بحاله وخطئه

روى البخاري رحمه الله عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ « كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَنِلْتُ مِنْهَا فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي أَسَابَبْتَ فُلانًا؟ قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ، قُلْتُ نَعَمْ، قَالَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، قُلْتُ عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ، قَالَ نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ »

وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال « كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلامٌ وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ »

وهذه المصارحة والمفاتحة من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه كانت لعلمه صلى الله عليه وسلم بتقبل الصحابي لذلك، فالصراحة وسيلة مفيدة تختصر الوقت وتوفّر الجهد وتبيّن المقصود بأيسر طريق ولكنها تكون فيما يُناسب من الأحوال والأشخاص

ولاشكّ أن المصارحة مكروهة للمخطئ، وثقيلة على نفسهن لما فيها من المواجهة والإحراج، والظهور بمظهر الناقص في مقابل ظهور الناقد في موضع المستعلي والأستاذ

وقد يعدل الإنسان عن مصارحة المخطئ إذا كان في ذلك حصول مفسدة أكبر، أو تفويت مصلحة أعلى كأن يكون المخطئ صاحب جاه أو منصب لا يتقبّل ذلك، أو أن يكون في المصارحة إحراج بالغ للمخطئ، أو يكون ذا حساسية زائدة تجعله ذا ردّ فعل سلبي

مع مراعاة أن عدم المباشرة في ذكر ما يزعج قد يكون له سلبيات مضاعفة تفوق المصارحة أحيانا، وذلك لما قد يشعر به المخطئ من الاستغفال والتلاعب ويتضايق من الإشارات الخفيّة، لشعوره بأنها غمز وإيذاء مبطّن ثمّ إن التوجيه قد لا يصل أصلا لخفاء المقصود وبعده عن ذهن المخطئ فيمضي في خطئه قُدُما

وعموما فإن الأشخاص يتفاوتون في التقبّل والأسلوب الأمثل المناسب لكل منهم، ولكن يبقى أن حسن الخلق في العرض والتوجيه له الأثر الأكبر في نجاح المهمّة

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:18 am

ليتني قبلت رخصة رسول الله

ملاقاة المخطئ ومجالسته لأجل مناقشته

أخرج البخاري في صحيحه عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرٍو قال أنكحنِي أبِي امرأةً ذات حسبٍ، فكان يتعاهدُ كنّتهُ فيسألُها عن بعلِها، فتقُولُ نِعم الرّجُلُ مِن رجُلٍ لم يطأ لنا فِراشًا، ولم يُفتِّش لنا كنفًا مُنذُ أتيناهُ، فلمّا طال ذلِك عليهِ، ذكر لِلنّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال القنِي بِهِ، فلقِيتُهُ بعدُ، فقال كيف تصُومُ؟ قال كُلّ يومٍ، قال وكيف تختِمُ؟، قال كُلّ ليلةٍ، قال صُم فِي كُلِّ شهرٍ ثلاثةً، واقرأ القُرآن فِي كُلِّ شهرٍ، قال قُلتُ أُطِيقُ أكثر مِن ذلِك، قال صُم ثلاثة أيّامٍ فِي الجُمُعةِ، قُلتُ أُطِيقُ أكثر مِن ذلِك، قال أفطِر يومينِ وصُم يومًا، قال قُلتُ أُطِيقُ أكثر مِن ذلِك قال صُم أفضل الصّومِ صوم داوُد صِيام يومٍ وإِفطار يومٍ، واقرأ فِي كُلِّ سبعِ ليالٍ مرّةً

فليتنِي قبِلتُ رُخصة رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم وذاك أنِّي كبِرتُ وضعُفتُ فكان يقرأُ على بعضِ أهلِهِ السُّبع مِن القُرآنِ بِالنّهارِ والّذِي يقرؤُهُ يعرِضُهُ مِن النّهارِ لِيكُون أخفّ عليهِ بِاللّيلِ وإِذا أراد أن يتقوّى أفطر أيّامًا وأحصى وصام مِثلهُنّ كراهِية أن يترُك شيئًا فارق النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عليهِ

وقد حدد صلى الله عليه وسلم سبب المشكلة وهو الانهماك في العبادة بحيث لم يبق وقت لأداء حقّ الزوجة فوقع التقصير

كما أوضح عليه الصلاة والسلام أن مبدأ أعط كلّ ذي حقّ حقّه يطبّق في حقّ كلّ الناس، حتى لو كان ما يشغل الإنسان هو الطاعة والعبادة

فالزوج مطالب بإيفاء حق الزوجة، حتى ولو كان طالب علم يحضر دروسا كثيرة، أوعاملاً منغمساً في شئون عمله وتجارته، ذلك أن عدم الموازنة في القيام بالطاعات المختلفة وتوزيع الوقت على أصحاب الحقوق يسبب ضررا للزوجة والعائلة، ولا بأس أن يخفف هذا من دروسه شيئا ما، وهذا من انشغالاته بحيث يتوفّر الوقت الكافي للاهتمام بالبيت والزوجة والأولاد وإعطائهم حقوقهم في الإصلاح والمعاشرة والتربية

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:22 am

عرّف بعضه وأعرض عن بعض

الإعراض عن بعض الخطأ تكرّما مع المخطئ


{ وإذ أسرّ النبي إلى بعض أزواجه حديثاً فلما نبّأت به وأظهره الله عليه عرّف بعضه وأعرض عن بعض فما نبّأها به قالت من أنبأك هذا قال نبّأني العليم الخبير} التحريم

قال القاسمي رحمه الله في محاسن التأويل

{ وإذ أسرّ النبي } أي محمد صلى الله عليه وسلم
{ إلى بعض أزواجه }، هي أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها
{ حديثا} ما حرمّ على نفسه مما كان الله جل ثناؤه قد أحله له
{فلما نبأت به} أي أخبرت بالسر صاحبتها ( عائشة رضي الله عنها )
{ وأظهره الله عليه } أطلعه عن تحديثها به
{ عرّف بعضه } أي عرّفها بعض ما أفشته معاتباً
{ وأعرض عن بعض } أي أعرض عن ذكر بعض الحديث تكرُّمـاً

وفي الآية أنه لا بأس بإسرار بعض الحديث إلى من يُركن إليه من زوج أو صديق ، وأنه يلزمه كتمانه وفيها حسن المعاشرة مع الزوجات ، والتلطّف في العَتَب ، والإعراض عن استقصاء الذنب

قال الحسن ما استقصى كريمٌ قط، وقال سفيان مازال التغافل من فعل الكرام

إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
إذا انت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:24 am

هجر المخطئ

وهو من الأساليب النبوية المؤثرة، خصوصاً إذا عظم الخطأ والذنب، وذلك لما يُحدثه الهجران والقطيعة من الأثر البالغ في نفس المخطئ، ومن أمثلة ذلك ما حصل لكعب بن مالك وصاحبيه، الذين خُلّفوا في قصة غزوة تبوك فبعد أن تأكد للنبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن لهم عذر واعترفوا بذلك قال كعب رضي الله عنه

ونهى رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم المُسلِمِين عن كلامِنا أيُّها الثّلاثةُ مِن بينِ من تخلّف عنهُ فاجتنبنا النّاسُ وتغيّرُوا لنا حتّى تنكّرت فِي نفسِي الأرضُ فما هِي الّتِي أعرِفُ، فلبِثنا على ذلِك خمسِين ليلةً، فأمّا صاحِباي فاستكانا وقعدا فِي بُيُوتِهِما يبكِيانِ، وأمّا أنا فكُنتُ أشبّ القومِ وأجلدهُم، فكُنتُ أخرُجُ فأشهدُ الصّلاة مع المُسلِمِين، وأطُوفُ فِي الأسواقِ، ولا يُكلِّمُنِي أحدٌ، وآتِي رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فأُسلِّمُ عليهِ وهُو فِي مجلِسِهِ بعد الصّلاةِ، فأقُولُ فِي نفسِي هل حرّك شفتيهِ بِردِّ السّلامِ عليّ أم لا، ثُمّ أُصلِّي قرِيبًا مِنهُ، فأُسارِقُهُ النّظر، فإِذا أقبلتُ على صلاتِي أقبل إِليّ، وإِذا التفتُّ نحوهُ أعرض عنِّي، حتّى إِذا طال عليّ ذلِك مِن جفوةِ النّاسِ، مشيتُ حتّى تسوّرتُ جِدار حائِطِ أبِي قتادة وهُو ابنُ عمِّي وأحبُّ النّاسِ إِليّ، فسلّمتُ عليهِ فو اللّهِ ما ردّ عليّ السّلام، فقُلتُ يا أبا قتادة، أنشُدُك بِاللّهِ هل تعلمُنِي أُحِبُّ اللّه ورسُولهُ، فسكت، فعُدتُ لهُ فنشدتُهُ فسكت، فعُدتُ لهُ فنشدتُهُ فقال اللّهُ ورسُولُهُ أعلمُ، ففاضت عيناي وتولّيتُ حتّى تسوّرتُ الجِدار

إلى أن قال رضي الله عنه في قصته

حتّى كملت لنا خمسُون ليلةً مِن حِين نهى رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عن كلامِنا، فلمّا صلّيتُ صلاة الفجرِ صُبح خمسِين ليلةً وأنا على ظهرِ بيتٍ مِن بُيُوتِنا، فبينا أنا جالِسٌ على الحالِ الّتِي ذكر اللّهُ قد ضاقت عليّ نفسِي وضاقت عليّ الأرضُ بِما رحُبت، سمِعتُ صوت صارِخٍ أوفى على جبلِ سلعٍ، بِأعلى صوتِهِ يا كعبُ بن مالِكٍ أبشِر

ومما يدلّ على اعتماده صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب أيضا ما رواه الترمذي عن عائِشة قالت ما كان خُلُقٌ أبغض إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم مِن الكذِبِ ولقد كان الرّجُلُ يُحدِّثُ عِند النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِالكِذبةِ فما يزالُ فِي نفسِهِ حتّى يعلم أنّهُ قد أحدث مِنها توبةً

فالإعراض عن المخطئ حتى يعود عن خطئه أسلوب تربوي مفيد، ولكن لكي يكون نافعا لابد أن يكون الهاجر والمُعرض له مكانة في نفس المهجور، وإلا فلن يكون لهذا الفعل أثر إيجابي عليه بل ربما يشعر أنه قد استراح

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:27 am

الإعراض عن المخطئ

روى الإمام أحمد رحمه الله قال بعث رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم سرِيّةً قال فأغارت على قومٍ، فشذّ مِن القومِ رجُلٌ فاتّبعهُ رجُلٌ مِن السّرِيّةِ شاهِرًا سيفهُ، فقال الشّاذُّ مِن القومِ إِنِّي مُسلِمٌ، فلم ينظُر فِيما قال فضربهُ فقتلهُ، فنمى الحدِيثُ إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فقال فِيهِ قولا شدِيدًا، فبلغ القاتِل، فبينا رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يخطُبُ قال القاتِلُ يا رسُول اللّهِ واللّهِ ما قال الّذِي قال إِلا تعوُّذًا مِن القتلِ، فأعرض عنهُ وعمّن قِبلهُ مِن النّاسِ وأخذ فِي خُطبتِهِ، ثُمّ قال أيضًا يا رسُول اللّهِ ما قال الّذِي قال إِلا تعوُّذًا مِن القتلِ، فأعرض عنهُ وعمّن قِبلهُ مِن النّاسِ وأخذ فِي خُطبتِهِ ثُمّ لم يصبِر فقال الثّالِثة يا رسُول اللّهِ واللّهِ ما قال إِلا تعوُّذًا مِن القتلِ، فأقبل عليهِ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم تُعرفُ المساءةُ فِي وجهِهِ قال لهُ إِنّ اللّه عزّ وجلّ أبى على من قتل مُؤمِنًا ثلاث مرّاتٍ

وعن أبي سعِيدٍ الخُدرِيّ أنّ رجُلا قدِم مِن نجران إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم وعليهِ خاتمُ ذهبٍ، فأعرض عنهُ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، ولم يسألهُ عن شيءٍ، فرجع الرّجُلُ إِلى امرأتِهِ فحدّثها فقالت إِنّ لك لشأنًا، فارجِع إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فرجع إِليهِ، فألقى خاتمهُ وجُبّةً كانت عليهِ، فلمّا استأذن أُذِن لهُ، وسلّم على رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فردّ عليهِ السّلام فقال يا رسُول اللّهِ أعرضت عنِّي قبلُ حِين جِئتُك، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم إِنّك جِئتنِي وفِي يدِك جمرةٌ مِن نارٍ، فقال يا رسُول اللّهِ لقد جِئتُ إِذًا بِجمرٍ كثِيرٍ وكان قد قدِم بِحُلِيٍّ مِن البحرينِ، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم إِنّ ما جِئت بِهِ غيرُ مُغنٍ عنّا شيئًا إِلا ما أغنت حِجارةُ الحرّةِ ولكِنّهُ متاعُ الحياةِ الدُّنيا، فقال الرّجُلُ يا رسُول اللّهِ اعذُرنِي فِي أصحابِك لا يظُنُّون أنّك سخِطت عليّ بِشيءٍ، فقام رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فعذرهُ، وأخبر أنّ الّذِي كان مِنهُ إِنّما كان لِخاتمِهِ الذّهبِ

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:29 am

عتاب النبي صلى الله عليه وسلم

كما فعل النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم مع حاطب رضي الله عنه، حينما علم أنه أرسل إلى كفار قريش يخبرهم بنية المسلمين في التوجّه إلى مكة لفتحها فإنه قال له

ما حملك يا حاطِبُ على ما صنعت؟، قال ما بِي إِلا أن أكُون مُؤمِنًا بِاللّهِ ورسُولِهِ، وما غيّرتُ ولا بدّلتُ، أردتُ أن تكُون لِي عِند القومِ يدٌ يدفعُ اللّهُ بِها عن أهلِي ومالِي، وليس مِن أصحابِك هُناك إِلا ولهُ من يدفعُ اللّهُ بِهِ عن أهلِهِ ومالِهِ، قال صَدَق فلا تقُولُوا لهُ إِلا خيرًا، فقال عُمرُ بنُ الخطّابِ إِنّهُ قد خان اللّه ورسُولهُ والمُؤمِنِين فدعنِي فأضرِب عُنُقهُ، فقال يا عُمرُ وما يُدرِيك لعلّ اللّه قدِ اطّلع على أهلِ بدرٍ فقال اعملُوا ما شِئتُم فقد وجبت لكُمُ الجنّةُ، قال فدمعت عينا عُمر وقال اللّهُ ورسُولُهُ أعلمُ

ومن فوائد هذه القصة




*معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم للصحابي المخطئ خطأ بالغا بلطف ما حملك على ما صنعت
*الاستعلام عن السبب الذي دفع بالمخطئ إلى الخطأ، فهذا ولاشك سيؤثر في الموقف الذي سيُتّخذ منه
*أن أصحاب الفضل والسابقة ليسوا معصومين من الذنب الكبير
*أنّ على الإنسان أن يكون واسع الصدر في تحمّل أخطاء أصحابه ليدوموا معه على المنهج السويّ فالغرض إصلاحهم لا إبعادهم
*أن على المسلم أن يقدّر لحظة الضعف البشري التي قد تمرّ ببعض أصدقائه، وأن لا يُؤخذ بسقطة قوية وخطأ فظيع قد يقع من بعضهم
*المدافعة عمن يستحق الدفاع عنه من المخطئين
*أن المخطئ إذا كانت له حسنات عظيمة سابقة، فلا بدّ أن تؤخذ بالاعتبار عند تقويم خطئه واتخاذ موقف منه

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:35 am

إظهار الغضب من الخطأ

عن عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبِيهِ عن جدِّهِ قال خرج رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم على أصحابِهِ وهُم يختصِمُون فِي القدرِ فكأنّما يُفقأُ فِي وجهِهِ حبُّ الرُّمّانِ مِن الغضبِ فقال بِهذا أُمِرتُم أو لِهذا خُلِقتُم، تضرِبُون القُرآن بعضهُ بِبعضٍ، بِهذا هلكتِ الأُممُ قبلكُم

فقال عبدُ اللّهِ بنُ عمرٍو ما غبطتُ نفسِي بِمجلِسٍ تخلّفتُ فِيهِ عن رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم ما غبطتُ نفسِي بِذلِك المجلِسِ وتخلُّفِي عنهُ

فغضبه عليه الصلاة والسلام كان لأمر الوحي والقرآن، وهي من الثوابت التي لا يجوز التلاعب أو التهاون بها، ومثل تلك الحادثة ما حصل في قصة عمر رضي الله عنه

فعن جابِرٍ أنّ عُمر بن الخطّابِ أتى رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِنُسخةٍ مِن التّوراةِ فقال يا رسُول اللّهِ هذِهِ نُسخةٌ مِن التّوراةِ، فسكت، فجعل يقرأُ ووجهُ رسُولِ اللّهِ يتغيّرُ، فقال أبُو بكرٍ ثكِلتك الثّواكِلُ ما ترى ما بِوجهِ رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فنظر عُمرُ إِلى وجهِ رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال أعُوذُ بِاللّهِ مِن غضبِ اللّهِ وغضبِ رسُولِهِ، رضِينا بِاللّهِ ربًّا وبِالإِسلامِ دِينًا وبِمُحمّدٍ نبِيًّا، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم والّذِي نفسُ مُحمّدٍ بِيدِهِ لو بدا لكُم مُوسى فاتّبعتُمُوهُ وتركتُمُونِي لضللتُم عن سواءِ السّبِيلِ ولو كان حيًّا وأدرك نُبُوّتِي لاتّبعنِي

ولا شك أننا نلاحظ في شواهد هذه القصة تأثر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم بتغيّر وجه النبي، واتخاذ الموقف بناء على ذلك، وهو أمر يُحدث في نفس الموعوظ الأثر البالغ

فالانفعال الذي حدث للنبي صلى الله عليه وسلم ظهر بتغير وجهه غضبا قبل أن يتكلم، مما جعل صحابته رضوان الله عليهم يلاحظون ذلك، وينبهون الفاروق إلى خطئه، وهذا ما جعله يبادر إلى الاعتذار عمّا فعل مستعيذا بالله من غضب الله وغضب رسوله، ومعلنا الرضا والإيمان بالله ورسوله ودينه

و النبي صلى الله عليه وسلم نبه عن وجوب اتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، والتحذير من مصادر التلقي الأخرى

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:38 am

إظهار الغضب من الخطأ

ومما حصل من غضبه صلى الله عليه وسلم لرؤية منكر، ما ورد في صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن أنسِ بنِ مالِكٍ أنّ النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم رأى نُخامةً فِي القِبلةِ فشقّ ذلِك عليهِ، حتّى رُئِي فِي وجهِهِ، فقام فحكّهُ بِيدِهِ فقال « إِنّ أحدكُم إِذا قام فِي صلاتِهِ فإِنّهُ يُناجِي ربّهُ، أو إِنّ ربّهُ بينهُ وبين القِبلةِ، فلا يبزُقنّ أحدُكُم قِبل قِبلتِهِ، ولكِن عن يسارِهِ أو تحت قدميهِ، ثُمّ أخذ طرف رِدائِهِ فبصق فِيهِ ثُمّ ردّ بعضهُ على بعضٍ، فقال أو يفعلُ هكذا »

ومما حصل من غضبه صلى الله عليه وسلم عند سماعه لخطأ أدّى إلى مفسدة ما ورد في البخاري أيضا، عن أبِي مسعُودٍ الأنصارِيِّ، قال جاء رجُلٌ إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال يا رسُول اللّهِ، إِنِّي واللّهِ لأتأخّرُ عن صلاةِ الغداةِ مِن أجلِ فُلانٍ مِمّا يُطِيلُ بِنا فِيها، قال فما رأيتُ النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قطُّ أشدّ غضبًا فِي موعِظةٍ مِنهُ يومئِذٍ، ثُمّ قال « يا أيُّها النّاسُ إِنّ مِنكُم مُنفِّرِين، فأيُّكُم ما صلّى بِالنّاسِ فليُوجِز فإِنّ فِيهِمُ الكبِير والضّعِيف وذا الحاجةِ »

ومن هذا الباب أيضا إظهار المفتي للغضب عند تكلّف المستفتي وتعنّته، فعن زيد بنِ خالِدٍ الجُهنِيِّ رضِي اللّهُ عنه قال « جاء أعرابِيٌّ النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فسألهُ عمّا يلتقِطُهُ، فقال عرِّفها سنةً ثُمّ احفظ عِفاصها ووِكاءها فإِن جاء أحدٌ يُخبِرُك بِها وإِلا فاستنفِقها، قال يا رسُول اللّهِ فضالّةُ الغنمِ قال لك أو لأخِيك أو لِلذِّئبِ، قال ضالّةُ الإِبِلِ، فتمعّر وجهُ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال ما لك ولها معها حِذاؤُها وسِقاؤُها ترِدُ الماء وتأكُلُ الشّجر»
( رواه البخاري )

فالانفعال المتوازن للمسلم عند حدوث الخطأ أو رؤيته أو سماعه، بحيث يُرى ذلك في وجهه، ويُعرف في صوته وأسلوبه هو علامة حياة في القلب ضدّ المنكر، وعدم السكوت عليه حتى يقع في قلوب الحاضرين الرهبة من ذلك الخطأ، ويعمل الكلام وقت الانفعال في النفوس عمله المؤثر، هذا بخلاف كتم الأمر أو تأخيره فربما يبرد أو يزول أثر التعليق

وقد يكون من الحكمة تأخير التعليق على الحادثة المنكرة أو الكلام الخاطئ إلى حين جمع الناس أو اجتماعهم، لأجل أهمية الأمر، أو لعدم وجود العدد الكافي الذي يتعظ وينقل، ولا مانع من تعليقين خاص مباشر وعام مؤخر، ففي صحيح البخاري عن أبِي حُميدٍ السّاعِدِيِّ أنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم استعمل عامِلا فجاءهُ العامِلُ حِين فرغ مِن عملِهِ فقال يا رسُول اللّهِ هذا لكُم وهذا أُهدِي لِي، فقال لهُ « أفلا قعدت فِي بيتِ أبِيك وأُمِّك فنظرت أيُهدى لك أم لا، ثُمّ قام رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عشِيّةً بعد الصّلاةِ فتشهّد وأثنى على اللّهِ بِما هُو أهلُهُ ثُمّ قال أمّا بعدُ فما بالُ العامِلِ نستعمِلُهُ فيأتِينا فيقُولُ هذا مِن عملِكُم وهذا أُهدِي لِي أفلا قعد فِي بيتِ أبِيهِ وأُمِّهِ فنظر هل يُهدى لهُ أم لا فو الّذِي نفسُ مُحمّدٍ بِيدِهِ لا يغُلُّ أحدُكُم مِنها شيئًا إِلا جاء بِهِ يوم القِيامةِ يحمِلُهُ على عُنُقِهِ إِن كان بعِيرًا جاء بِهِ لهُ رُغاءٌ وإِن كانت بقرةً جاء بِها لها خُوارٌ وإِن كانت شاةً جاء بِها تيعرُ فقد بلّغتُ، فقال أبُو حُميدٍ ثُمّ رفع رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يدهُ حتّى إِنّا لننظُرُ إِلى عُفرةِ إِبطيهِ »

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:40 am

تذكير المخطئ بفضل من أخطأ عليه ليندم ويعتذر

وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما حصل بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التفسير من صحيحه عن أبي الدّرداءِ رضي الله عنه قال

« كانت بين أبِي بكرٍ وعُمر مُحاورةٌ فأغضب أبُو بكرٍ عُمر، فانصرف عنهُ عُمرُ مُغضبًا، فاتّبعهُ أبُو بكرٍ يسألُهُ أن يستغفِر لهُ، فلم يفعل حتّى أغلق بابهُ فِي وجهِهِ، فأقبل أبُو بكرٍ إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال أبُو الدّرداءِ ونحنُ عِندهُ
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم أمّا صاحِبُكُم هذا فقد غامر ( أي دخل في خصومة )
قال وندِم عُمرُ على ما كان مِنهُ فأقبل حتّى سلّم وجلس إِلى النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم وقصّ على رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم الخبر، قال أبُو الدّرداءِ وغضِب رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، وجعل أبُو بكرٍ يقُولُ واللّهِ يا رسُول اللّهِ لأنا كُنتُ أظلم
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم هل أنتُم تارِكُون لِي صاحِبِي هل أنتُم تارِكُون لِي صاحِبِي! إِنِّي قُلتُ يا أيُّها النّاسُ إِنِّي رسُولُ اللّهِ إِليكُم جمِيعًا، فقُلتُم كذبت وقال أبُو بكرٍ صدقت »

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:43 am

مطالبة المخطئ بالتحلل ممن أخطأ عليه

توجيه الكلام إلى طرفي النزاع في الخطأ المشترك


في كثير من الأحيان يكون الخطأ مشتركا، ويكون المخطئ مخطَأً عليه في الوقت نفسه، ولكن نسبة الخطأ ربما تتفاوت بين الطرفين، فينبغي توجيه الكلام والنصح إلى طرفي الخطأ، وفيما يلي مثال

عن عبد الله بن أبي أوفى قال شكا عبد الرحمن بن عوف، خالدَ بن الوليد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم « يا خالد لا تُؤذ رجلا من أهل بدر، فلو أنفقت مثل أحد ذهبا لم تدرك عمله»، فقال يقعون فيّ فأردّ عليهم، فقال « لا تُؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله عز وجل صبه الله على الكفار »

مطالبة المخطئ بالتحلل ممن أخطأ عليه


عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كانت العرب تخدم بعضها بعضا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا، ولم يهيئ لهما طعاما، فقال أحدهما لصاحبه إنّ هذا لنؤوم، إن هذا ليوائم نوم نبيكم صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ليوائم نوم بيتكم، فأيقظاه فقالا ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل له إن أبا بكر وعمر يُقرئانك السلام وهما يستأدمانك (أي يطلبان الإدام للطعام) ، فقال « أقرئهما السلام وأخبرهما أنهما قد ائتدما! »
ففزعا، فجاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالا يا رسول الله بعثنا إليك نستأدمك، فقلت قد ائتدما فبأي شيء ائتدمنا؟
قال « بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين أنيابكما يعني لحم الذي استغاباه »، قالا فاستغفر لنا، قال « هو فليستغفر لكما »

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:46 am

إعادة الحق إلى صاحبه وحفظ مكانة المخطئ

روى مسلم عن عوفِ بنِ مالِكٍ قال قتل رجُلٌ مِن حِمير رجُلا مِن العدُوِّ فأراد سلبهُ، فمنعهُ خالِدُ بنُ الولِيد،ِ وكان والِيًا عليهِم، فأتى رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عوفُ بنُ مالِكٍ فأخبرهُ، فقال لِخالِدٍ ما منعك أن تُعطِيهُ سلبهُ، قال استكثرتُهُ يا رسُول اللّهِ، قال ادفعهُ إِليهِ، فمرّ خالِدٌ بِعوفٍ فجرّ بِرِدائِهِ ثُمّ قال هل أنجزتُ لك ما ذكرتُ لك مِن رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم،
فسمِعهُ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فاستُغضِب فقال لا تُعطِهِ يا خالِدُ، لا تُعطِهِ يا خالِدُ، هل أنتُم تارِكُون لِي أُمرائِي، إِنّما مثلُكُم ومثلُهُم، كمثلِ رجُلٍ استُرعِي إِبِلا أو غنمًا فرعاها، ثُمّ تحيّن سقيها فأوردها حوضًا، فشرعت فِيهِ فشرِبت صفوهُ وتركت كدرهُ، فصفوُهُ لكُم وكدرُهُ عليهِم

ونلاحظ أن خالدا لما أخطأ في اجتهاده بمنع القاتل من السلب الكثير، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الأمر في نصابه، بإعادة الحق إلى صاحبه، ولكنه عليه الصلاة والسلام غضب لما سمع عوفا رضي الله عنه يعرّض بخالد، ويتهكم عليه بقوله هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عوف قد جرّ برداء خالد، لمّا مرّ بجانبه، فقال صلى الله عليه وسلم لا تُعطه يا خالد، وهذا من باب ردّ الاعتبار إلى الأمير والقائد، لأن في حفظ مكانته بين الناس مصلحة ظاهرة

ومن الأمور المهمة حفظ مكانة المخطئ بعد توبته، ورجوعه لكي يثبت على الاستقامة، ويمارس حياة عادية بين الناس، وقد جاء في قصة المرأة المخزومية التي قُطعت يدها، عن عائشة رضي الله عنها فحسُنت توبتُها بعدُ وتزوّجت، وكانت تأتِينِي بعد ذلِك، فأرفعُ حاجتها إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:49 am

إنكار موضع الخطأ وقبول الباقي

قد لا يكون الكلام أو الفعل كله خطأ، فيكون من الحكمة الاقتصار في الإنكار على موضع الخطأ، وعدم تعميم التخطئة لتشمل سائر الكلام أو الفعل، يدلّ على ذلك ما أخرجه البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن الرُّبيِّعِ بِنتِ مُعوِّذِ بنِ عفراء قالت جاء النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فدخل حِين بُنِي عليّ فجلس على فِراشِي كمجلِسِك مِنِّي فجعلت جُويرِياتٌ لنا يضرِبن بِالدُّفِّ ويندُبن من قُتِل مِن آبائِي يوم بدرٍ
إِذ قالت إِحداهُنّ وفِينا نبِيٌّ يعلمُ ما فِي غدٍ
فقال دعِي هذِهِ وقُولِي بِالّذِي كُنتِ تقُولِين
وفي رواية، فقال أمّا هذا فلا تقُولُوهُ ما يعلمُ ما فِي غدٍ إِلا اللّهُ

ولا شك أن مثل هذا التصرّف يُشعر المخطئ بانصاف وعدل القائم بالإنكار والتصحيح، ويجعل تنبيهه أقرب للقبول في نفس المخطئ، بخلاف بعض المُنكرين الذين قد يغضب أحدهم من الخطأ غضبا يجعله يتعدّى في الإنكار، يصل به إلى تخطئة ورفض سائر الكلام، بما اشتمل عليه من حق وباطل، مما يسبّب عدم قبول كلامه وعدم انقياد المخطئ للتصحيح

وبعض المخطئين لا يكون خطؤهم في ذات الكلام الذي تفوّهوا به، ولكن في المناسبة التي قالوا فيها ذلك الكلام وهذا المعنى هو الذي لفت إليه ابن عمر رضي الله عنه نظر رجل عطس إِلى جنبِه فقال الحمدُ لِلّهِ والسّلامُ على رسُولِ اللّهِ،
فقال ابنُ عُمر وأنا أقُولُ الحمدُ لِلّهِ والسّلامُ على رسُولِ اللّهِ، وليس هكذا علّمنا رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، علّمنا أن نقُول الحمدُ لِلّهِ على كُلِّ حالٍ

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:51 am

إرشاد المخطئ إلى تصحيح خطئه

وقد كان ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بعدة أساليب منها

محاولة لفت نظر المخطئ إلى خطئه ليقوم بتصحيحه بنفسه


ومن الأمثلة على ذلك ما رواه أبِو سعِيدٍ الخدري رضي الله عنه وكان مع رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، قال فدخلُ النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فرأى رجُلا جالِسًا وسط المسجِدِ مُشبِّكًا بين أصابِعِهِ يُحدِّثُ نفسهُ، فأومأ إِليهِ النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فلم يفطِن،
قال فالتفت إِلى أبِي سعِيدٍ فقال إِذا صلّى أحدُكُم فلا يُشبِّكنّ بين أصابِعِهِ، فإِنّ التّشبِيك مِن الشّيطانِ، فإِنّ أحدكُم لا يزالُ فِي صلاةٍ ما دام فِي المسجِدِ، حتّى يخرُج مِنهُ رواه أحمد في مسنده

طلب إعادة الفعل على الوجه الصحيح إذا كان ذلك ممكنا


فعن أبِي هُريرة رضِي اللّهُ عنهُ، أنّ رجُلًا دخل المسجِد ورسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم جالِسٌ فِي ناحِيةِ المسجِدِ، فصلّى، ثُمّ جاء فسلّم عليهِ، فقال لهُ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم وعليك السّلامُ ارجِع فصلِّ فإِنّك لم تُصلِّ
فرجع فصلّى، ثُمّ جاء فسلّم، فقال وعليك السّلامُ فارجِع فصلِّ فإِنّك لم تُصلِّ
فقال فِي الثّانِيةِ أو فِي الّتِي بعدها علِّمنِي يا رسُول اللّهِ،
فقال إِذا قُمت إِلى الصّلاةِ فأسبِغِ الوُضُوء، ثُمّ استقبِلِ القِبلة فكبِّر، ثُمّ اقرأ بِما تيسّر معك مِن القُرآنِ، ثُمّ اركع حتّى تطمئِنّ راكِعًا، ثُمّ ارفع حتّى تستوِي قائِمًا، ثُمّ اسجُد حتّى تطمئِنّ ساجِدًا، ثُمّ ارفع حتّى تطمئِنّ جالِسًا، ثُمّ اسجُد حتّى تطمئِنّ ساجِدًا، ثُمّ ارفع حتّى تطمئِنّ جالِسًا، ثُمّ افعل ذلِك فِي صلاتِك كُلِّها رواه البخاري ومسلم


إن من الحكمة في التعليم طلب إعادة الفعل من المخطئ، لعله ينتبه إلى خطئه فيصححه بنفسه، خصوصا إذا كان الخطأ ظاهرا، لا ينبغي أن يحدث منه وربما يكون ناسيا فيتذكر
إن المخطئ إذا لم ينتبه إلى خطئه وجب البيان والتفصيل
إن إعطاء المعلومة للشخص إذا اهتم بمعرفتها، وسأل عنها وتعلقت بها نفسه، أوقع أثرا في حسّه، وأحفظ في ذهنه من إعطائه إياها ابتداءً دون سؤال ولا تشوّف
إن وسائل التعليم كثيرة، يختار منها المسلم ما يُناسب الحال والظرف

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 3:55 am

إرشاد المخطئ إلى تصحيح خطئه

من طرق إرشاد المخطأ طلب إعادة الفعل على الوجه الصحيح إذا كان ذلك ممكنا


ومن أمثلة طلب إعادة الفعل الخاطئ على الوجه الصحيح، ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه، عن جابِرٍ، أخبرنِي عُمرُ بنُ الخطّابِ « أنّ رجُلا توضّأ، فترك موضِع ظُفُرٍ على قدمِهِ، فأبصرهُ النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فقال ارجِع فأحسِن وُضُوءك فرجع ثُمّ صلّى » صحيح مسلم

وقد روى الترمذي رحمه الله تعالى في سننه، عن كلدة بن حنبلٍ، أنّ صفوان بن أُميّة بعثهُ بِلبنٍ ولِبأٍ وضغابِيس، إِلى النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، والنّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِأعلى الوادِي، قال فدخلتُ عليهِ ولم أُسلِّم ولم أستأذِن، فقال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « ارجِع فقُلِ السّلامُ عليكُم أأدخُلُ » رواه الترمذي

طلب تدارك ما أمكن لتصحيح الخطأ


فقد روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه، عن ابنِ عبّاسٍ، عنِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قال « لا يخلُونّ رجُلٌ بِامرأةٍ إِلا مع ذِي محرمٍ
فقام رجُلٌ فقال يا رسُول اللّهِ امرأتِي خرجت حاجّةً، واكتُتِبتُ فِي غزوةِ كذا وكذا
قال « ارجِع فحُجّ مع امرأتِك »

إصلاح آثار الخطأ


روى النسائي رحمه الله تعالى في سننه، عن عبدِ اللّهِ بنِ عمرٍو، أنّ رجُلا أتى النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فقال إِنِّي جِئتُ أُبايِعُك على الهِجرةِ ولقد تركتُ أبويّ يبكِيانِ
قال « ارجِع إِليهِما فأضحِكهُما كما أبكيتهُما »

الكفارة عن الخطأ


لمّا كانت بعض الأخطاء لا يمكن استدراكها، فإن الشريعة المطهرة قد جعلت أبوابا أُخر لمحو أثرها، ومن ذلك الكفّارات وهي كثيرة ككفارة اليمين والظهار والقتل الخطأ والوطء في نهار رمضان وغيرها

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:00 am

تجنب إعانة الشيطان على المخطئ




عن أبِي هُريرة قال أُتِي النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِسكران فأمر بِضربِهِ، فمِنّا من يضرِبُهُ بِيدِهِ، ومِنّا من يضرِبُهُ بِنعلِهِ، ومِنّا من يضرِبُهُ بِثوبِهِ، فلمّا انصرف قال رجُلٌ ما لهُ أخزاهُ اللّهُ، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « لا تكُونُوا عون الشّيطانِ على أخِيكُم »
( رواه البخاري )

وعنه رضِي اللّهُ عنهُ قال « أُتِي النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِرجُلٍ قد شرِب، قال اضرِبُوهُ
قال أبُو هُريرة فمِنّا الضّارِبُ بِيدِهِ والضّارِبُ بِنعلِهِ والضّارِبُ بِثوبِهِ،
فلمّا انصرف، قال بعضُ القومِ أخزاك اللّهُ
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقُولُوا هكذا لا تُعِينُوا عليهِ الشّيطان »
( البخاري )

ويستفاد أنّ المسلم وإن وقع في معصية فإنه يبقى معه أصل الإسلام، وأصل المحبة لله ورسوله، فلا يجوز أن يُنفى عنه ذلك، ولا أن يُدعى عليه بما يعين عليه الشيطان، بل يُدعى له بالهداية والمغفرة والرحمة

طلب الكف عن الفعل الخاطئ


من الأهمية بمكان إيقاف المخطئ عن الاستمرار في الخطأ، حتى لا يزداد سوءا، وحتى يحصل القيام بإنكار المنكر ولا يتأخر

عن عُمر أنّهُ قال لا وأبِي
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « مه إِنّهُ من حلف بِشيءٍ دُون اللّهِ فقد أشرك»
(رواه الإمام أحمد )

مه كلمة زجر وإنكار بمعنى اكفف

وروى أبو داود في سننه، عن عبدُ اللّهِ بنُ بُسرٍ رضي الله عنه قال جاء رجُلٌ يتخطّى رِقاب النّاسِ يوم الجُمُعةِ والنّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يخطُبُ، فقال لهُ النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « اجلِس فقد آذيت »

وروى الترمذي عنِ ابنِ عُمر قال تجشّأ رجُلٌ عِند النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال « كُفّ عنّا جُشاءك فإِنّ أكثرهُم شِبعًا فِي الدُّنيا، أطولُهُم جُوعًا يوم القِيامةِ »
( سنن الترمذي )

ففي هذه الأحاديث الطلب المباشر من المخطئ بالكفّ والامتناع عن فعله

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:02 am

عدم مواجهة بعض المخطئين بالخطأ والاكتفاء بالبيان العام

عن أنس بن مالِكٍ حدّثهُم قال قال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « ما بالُ أقوامٍ يرفعُون أبصارهُم إِلى السّماءِ فِي صلاتِهِم، فاشتدّ قولُهُ فِي ذلِك حتّى قال لينتهُنّ عن ذلِك أو لتُخطفنّ أبصارُهُم »
( رواه البخاري )

وعن أبِي هُريرة أنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم رأى نُخامةً فِي قِبلةِ المسجِدِ، فأقبل على النّاسِ فقال « ما بالُ أحدِكُم يقُومُ مُستقبِل ربِّهِ فيتنخّعُ أمامهُ، أيُحِبُّ أحدُكُم أن يُستقبل فيُتنخّع فِي وجهِهِ، فإِذا تنخّع أحدُكُم فليتنخّع عن يسارِهِ تحت قدمِهِ، فإِن لم يجِد فليقُل هكذا ووصف القاسِمُ فتفل فِي ثوبِهِ، ثُمّ مسح بعضهُ على بعضٍ »
( صحيح مسلم )

وروى النسائي في سننه عنِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « أنّهُ صلّى صلاة الصُّبحِ، فقرأ الرُّوم، فالتبس عليهِ، فلمّا صلّى قال ما بالُ أقوامٍ يُصلُّون معنا لا يُحسِنُون الطُّهُور، فإِنّما يلبِسُ علينا القُرآن أُولئِك »
( سنن النسائي )

ورواه أحمد رحمه الله تعالى عن أبِي روحٍ الكلاعِيِّ قال صلّى بِنا رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم صلاةً فقرأ فِيها سُورة الرُّومِ، فلبس عليهِ بعضُها قال « إِنّما لبس علينا الشّيطانُ القِراءة مِن أجلِ أقوامٍ يأتُون الصّلاة بِغيرِ وُضُوءٍ، فإذا أتيتم الصلاة فأحسِنُوا الوُضُوء »

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:04 am

عدم مواجهة بعض المخطئين بالخطأ والاكتفاء بالبيان العام

لمّا أرادت عائِشة رضي الله عنها شراء جارية اسمها بريرة، رفض أهلها بيعها إلا بشرط أن يكُون الولاءُ لهُم، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم قام فِي النّاسِ، فحمِد اللّه وأثنى عليهِ، ثُمّ قال « ما بالُ رِجالٍ يشترِطُون شُرُوطًا ليست فِي كِتابِ اللّهِ، ما كان مِن شرطٍ ليس فِي كِتابِ اللّهِ فهُو باطِلٌ، وإِن كان مِائة شرطٍ، قضاءُ اللّهِ أحقُّ، وشرطُ اللّهِ أوثقُ، وإِنّما الولاءُ لِمن أعتق »
( رواها البخاري )

وعن عائِشةُ رضي الله عنها قالت « صنع النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم شيئًا فرخّص فِيهِ، فتنزّه عنهُ قومٌ، فبلغ ذلِك النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فخطب فحمِد اللّه، ثُمّ قال ما بالُ أقوامٍ يتنزّهُون عنِ الشّيءِ أصنعُهُ، فواللّهِ إِنِّي لأعلمُهُم بِاللّهِ، وأشدُّهُم لهُ خشيةً »

والأمثلة كثيرة ويجمعها عدم فضح صاحب الخطأ وأسلوب التعريض بالمخطئ وعدم مواجهته له فوائد منها


*تجنّب ردّ الفعل السلبي للمخطئ وإبعاده عن تزيين الشيطان له بالانتقام الشخصي والانتصار للنفس
*أنه أكثر قبولا وتأثيرا في النفس
*أنه أستر للمخطئ بين الناس
*ازدياد منزلة الناصح وزيادة المحبة له

وينبغي الانتباه إلى أنّ أسلوب التعريض هذا لإيصال الحكم إلى المخطئ دون فضحه وإحراجه إنما يكون إذا كان أمر المخطئ مستورا لا يعرفه أكثر الناس أما إذا كان أكثر الحاضرين يعرفونه وهو يعلم بذلك فإن الأسلوب حينئذ قد يكون أسلوب تقريع وتوبيخ وفضح بالغ السوء والمضايقة للمخطئ، بل إنه ربما يتمنى لو أنه ووجه بخطئه ولم يُستعمل معه ذلك الأسلوب

ومن الأمور التي يجب مراعاتها من هو الذي يوجّه الكلام؟، وبحضرة من يكون الكلام؟ وهل كان بأسلوب الإثارة والاستفزاز، أم بأسلوب النصح والإشفاق؟

فالأسلوب غير المباشر أسلوب تربوي نافع للمخطئ ولغيره إذا استُعمل بحكمة

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:06 am

الإرشاد إلى ما يمنع من وقوع الخطأ

عن أبِي أُمامة بنِ سهلِ بنِ حُنيفٍ أنّ أباهُ حدّثهُ أنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم خرج وسارُوا معهُ نحو مكّة حتّى إِذا كانُوا بِشِعبِ الخزّارِ مِن الجُحفةِ اغتسل سهلُ بنُ حُنيفٍ وكان رجُلًا أبيض حسن الجِسمِ والجِلدِ، فنظر إِليهِ عامِرُ بنُ ربِيعة أخُو بنِي عدِيِّ بنِ كعبٍ وهُو يغتسِلُ، فقال ما رأيتُ كاليومِ ولا جِلد مُخبّأةٍ ( المخبأة هي الفتاة في خدرها وهو كناية عن شدة بياضه ) فلُبِط سهلٌ (أيصُرع وسقط على الأرض) ،
فأُتِي رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقِيل لهُ يا رسُول اللّهِ هل لك فِي سهلٍ، واللّهِ ما يرفعُ رأسهُ وما يُفِيقُ
قال هل تتّهِمُون فِيهِ مِن أحدٍ
قالُوا نظر إِليهِ عامِرُ بنُ ربِيعة
فدعا رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عامِرًا فتغيّظ عليهِ، وقال علام يقتُلُ أحدُكُم أخاهُ، هلا إِذا رأيت ما يُعجِبُك برّكت، ثُمّ قال لهُ اغتسِل لهُ فغسل وجههُ ويديهِ ومِرفقيهِ ورُكبتيهِ وأطراف رِجليهِ وداخِلة إِزارِهِ فِي قدحٍ، ثُمّ صُبّ ذلِك الماءُ عليهِ يصُبُّهُ رجُلٌ على رأسِهِ وظهرِهِ مِن خلفِهِ، يُكفِئُ القدح وراءهُ ففعل بِهِ ذلِك، فراح سهلٌ مع النّاسِ ليس بِهِ بأسٌ
( رواه أحمد في مسنده والإمام مالك في الموطأ )

وأظهر النبي صلى الله عليه وسلم تغيظه ممن تسبب في إيذاء أخيه المسلم، كما وضح له خطأ فعله وعاقبته، وأرشده إلى الصواب، وما يجب عليه فعله

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:12 am

تقديم البديل الصحيح

عن عبدِ اللّهِ بن مسعود قال كُنّا إِذا كُنّا مع النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فِي الصّلاةِ قُلنا السّلامُ على اللّهِ مِن عِبادِهِ السّلامُ على فُلانٍ وفُلانٍ ( وفي رواية النسائي السلام على جبريل السلام على ميكائيل )
فقال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم لا تقُولُوا السّلامُ على اللّهِ، فإِنّ اللّه هُو السّلامُ، ولكِن قُولُوا التّحِيّاتُ لِلّهِ والصّلواتُ والطّيِّباتُ، السّلامُ عليك أيُّها النّبِيُّ ورحمةُ اللّهِ وبركاتُهُ، السّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللّهِ الصّالِحِين، فإِنّكُم إِذا قُلتُم أصاب كُلّ عبدٍ فِي السّماءِ أو بين السّماءِ والأرضِ؛ أشهدُ أن لا إِله إِلا اللّهُ وأشهدُ أنّ مُحمّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ ثُمّ يتخيّرُ مِن الدُّعاءِ أعجبهُ إِليهِ فيدعُو
( رواه البخاري )

وعن أبي سعِيدٍ الخُدرِيّ رضِي اللّهُ عنهُ قال جاء بِلالٌ إِلى النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِتمرٍ برنِيٍّ
فقال لهُ النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم مِن أين هذا
قال بِلالٌ كان عِندنا تمرٌ ردِيٌّ فبِعتُ مِنهُ صاعينِ بِصاعٍ لِنُطعِم النّبِيّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم
فقال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم عِند ذلِك أوّه أوّه عينُ الرِّبا عينُ الرِّبا لا تفعل ولكِن إِذا أردت أن تشترِي فبِعِ التّمر بِبيعٍ آخر ثُمّ اشترِهِ
( رواه البخاري )

فالمسلم حين ينكر على الناس شيئا حرّمه الشرع، يجب عليه ألا يكتفي بالتخطئة وإعلان الحرمة دون تقديم البديل أو بيان ما هو الواجب فعله إذا حصل الخطأ، فمن المعلوم من طريقة الشريعة أنها تقدّم البدائل عوضا عن أي منفعة محرمة فلما حرّمت الزنا شرعت النكاح، ولما حرّمت الربا أباحت البيع، ولما حرّمت الخنزير والميتة وكلّ ذي ناب ومخلب أباحت الذبائح من بهيمة الأنعام وغيرها وهكذا

ومما تجدر الإشارة إليه أن مسألة تقديم البديل هي بحسب الإمكان والقدرة، فقد يكون الأمر أحيانا خطأ يجب الامتناع عنه، ولا يوجد في الواقع بديل مناسب، إما لفساد الحال، وبعد الناس عن شريعة الله، أو أن الآمر الناهي لا يستحضر شيئا، أو ليس لديه إلمام بالبدائل الموجودة، في الواقع فهو سينكر ويُغيّر الخطأ ولو لم يوجد لديه بديل يقوله ويوجّه إليه

والحقيقة أن المنهج الإلهي فيه البدائل والمخارج التي ترفع الحرج والعنت عن المسلمين علمها من علمها وجهلها من جهلها

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:15 am

بيان مضرة الخطأ

عن أبي ثعلبة الخُشنِي قال « كان النّاسُ إِذا نزل رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم منزِلا تفرّقُوا فِي الشِّعابِ والأودِيةِ، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم إِنّ تفرُّقكُم فِي هذِهِ الشِّعابِ والأودِيةِ إِنّما ذلِكُم مِن الشّيطانِ، فلم ينزِل بعد ذلِك منزِلا إِلا انضمّ بعضُهُم إِلى بعضٍ، حتّى يُقال لو بُسِط عليهِم ثوبٌ لعمّهُم، وفي رواية حتّى إِنّك لتقُولُ لو بسطتُ عليهِم كِساءً لعمّهُم »

ويُلاحظ رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وفيه حرص القائد على مصلحة جنوده، وأن تفرّق الجيش إذا نزل فيه تخويف الشيطان للمسلمين وإغراء للعدو بهم، والتفرق يمنع بعض الجيش من معونة بعض، كما نلحظ امتثال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لتوجيهه فيما استقبلوا من أمرهم

ومن الأمثلة أيضا على بيان مضرة الخطأ وخطورته حديث النُّعمان بن بشِيرٍ قال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « لتُسوُّنّ صُفُوفكُم أو ليُخالِفنّ اللّهُ بين وُجُوهِكُم » رواه البخاري في صحيحه

وفي صحيح مسلم عن سِماكِ بنِ حربٍ قال سمِعتُ النُّعمان بن بشِير يقُولُ كان رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يُسوِّي صُفُوفنا حتّى كأنّما يُسوِّي بِها القِداح حتّى رأى أنّا قد عقلنا عنهُ ثُمّ خرج يومًا فقام حتّى كاد يُكبِّرُ فرأى رجُلا بادِيًا صدرُهُ مِن الصّفِّ فقال « عِباد اللّهِ لتُسوُّنّ صُفُوفكُم أو ليُخالِفنّ اللّهُ بين وُجُوهِكُم » صحيح مسلم

وروى النسائي عن أنس رضي الله عنه أنّ نبِيّ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قال « راصُّوا صُفُوفكُم وقارِبُوا بينها وحاذُوا بِالأعناقِ فوالّذِي نفسُ مُحمّدٍ بِيدِهِ إِنِّي لأرى الشّياطِين تدخُلُ مِن خللِ الصّفِّ كأنّها الحذفُ ( أي الغنم السود الصغار ) »

فتبيين مفاسد الخطأ وما يترتب عليه من العواقب أمر مهم في الإقناع للمخطئ ، وقد تكون عاقبة الخطأ على المخطئ نفسه وقد تتعدى إلى آخرين، فمن الأول ما رواه أبو داود رحمه الله تعالى في سننه عنِ ابنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ رجُلًا نازعتهُ الرِّيحُ رِداءهُ على عهدِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فلعنها، فقال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « لا تلعنها فإِنّها مأمُورةٌ وإِنّهُ من لعن شيئًا ليس لهُ بِأهلٍ رجعتِ اللّعنةُ عليهِ » أبو داود

ومثال الثاني ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه عن عبدِ الرّحمنِ ابنِ أبِي بكرة عن أبِيهِ قال أثنى رجُلٌ على رجُلٍ عِند النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال « ويلك قطعت عُنُق صاحِبِك قطعت عُنُق صاحِبِك مِرارًا ثُمّ قال من كان مِنكُم مادِحًا أخاهُ لا محالة فليقُل أحسِبُ فُلانًا واللّهُ حسِيبُهُ ولا أُزكِّي على اللّهِ أحدًا أحسِبُهُ كذا وكذا إِن كان يعلمُ ذلِك مِنه »

فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هنا لهذا المبالغ في المدح المخطئ فيه عاقبة خطئه، وذلك أن الزيادة في الإطراء تُدخل في قلب الممدوح الغرور، فيتيه بنفسه كبرا أو إعجابا، وربما يفتر عن العمل متواكلا على الشهرة الآتية من المدح، أو يقع في الرياء لما يحسّه من لذة المدح، فيكون في ذلك هلاكه وهو ما عبّر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله « أهلكتم »، أو « قطعتم عنق الرجل »، أو « ظهر الرجل »

ثم إن المادح قد يجازف في المدح، ويقول ما لا يتحققه ويجزم بما لا يستطيع الإطّلاع عليه، وقد يكذب، وقد يرائي الممدوح بمدحه، فتكون الطامة لاسيما إن كان الممدوح ظالما أو فاسقا

والمدح ليس منهيا عنه بإطلاق، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم أشخاصاً وهم حضور، وقد جاء في عنوان الباب في صحيح مسلم إيضاح مهم باب النّهيِ عنِ المدحِ إِذا كان فِيهِ إِفراطٌ وخِيف مِنهُ فِتنةٌ على الممدُوحِأمّا الذي يعدّ نفسه مقصّرا لا يضره المدح وإذا مُدح لم يغترّ، لأنه يعرف حقيقة نفسه، قال بعض السلف إذا مُدح الرجل في وجهه فليقل اللهم اغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني خيرا مما يظنون

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:19 am

التولي عن المخطئ وترك جداله لعله يراجع الصواب

روى البخاري رحمه الله عن علِيِّ بنِ أبِي طالِبٍ رضي الله عنه قال « إِنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم طرقهُ وفاطِمة عليها السّلام بِنت رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال لهُم ألا تُصلُّون
فقال علِيٌّ فقُلتُ يا رسُول اللّهِ إِنّما أنفُسُنا بِيدِ اللّهِ فإِذا شاء أن يبعثنا بعثنا
فانصرف رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم حِين قال لهُ ذلِك ولم يرجِع إِليهِ شيئًا ثُمّ سمِعهُ وهُو مُدبِرٌ يضرِبُ فخِذهُ وهُو يقُولُ { وكان الإِنسانُ أكثر شيءٍ جدلا }

إثارة الناس على المخطئ


وهذا يكون في أحوال معينة وينبغي أن يوزن وزنا دقيقا حتى لا تكون له مضاعفات سلبية وفيما يلي مثال نبوي لهذه الوسيلة
عن أبِي هُريرة قال « جاء رجُلٌ إِلى النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يشكُو جارهُ
فقال اذهب فاصبِر فأتاهُ مرّتينِ أو ثلاثًا
فقال اذهب فاطرح متاعك فِي الطّرِيقِ فطرح متاعهُ فِي الطّرِيقِ فجعل النّاسُ يسألُونهُ فيُخبِرُهُم خبرهُ فجعل النّاسُ يلعنُونهُ فعل اللّهُ بِهِ وفعل وفعل
فجاء إِليهِ جارُهُ فقال لهُ ارجِع لا ترى مِنِّي شيئًا تكرهُهُ
( رواه أبو داود )

ويقابل هذا الأسلوب أسلوب آخر يُستخدم في أحوال أخرى، ومع أشخاص آخرين في حماية المخطئ من إيذاء الناس


تعليم المخطئ عمليا


فالتعليم العملي أقوى وأشد أثرا في كثير من الأحيان من التعليم النظري، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى جبير بن نفير عن أبيه، أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بوضوء فقال توضأ يا أبا جبير، فبدأ أبو جبير بفيه

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تبتدأ بفيك يا أبا جبير، فإن الكافر يبتدأ بفيه، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فغسل كفيه حتى أنقاهما ثم تمضمض واستنشق ثلاثا وغسل وجهه ثلاثا، وغسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، واليسرى ثلاثا، ومسح رأسه، وغسل رجليه
( رواه البيهقي )

والملاحظ هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى تنفير ذلك الصحابي من فعله المجانب للصواب، عندما أخبره أن الكافر يبدأ بفيه، ولعل المعنى أن الكافر لا يغسل كفيه قبل إدخالهما في الإناء، وهذا من عدم المحافظة على النظافة

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:20 am

الهدوء في التعامل مع المخطئ
وخصوصا عندما يؤدي القيام عليه والاشتداد في نهيه إلى توسيع نطاق المفسدة، ويمكن أن نتبين ذلك من خلال تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع خطأ الأعرابي الذي بال في المسجد، كما جاء عن أنسِ بنِ مالِكٍ قال « بينما نحنُ فِي المسجِدِ مع رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم إِذ جاء أعرابِيٌّ فقام يبُولُ فِي المسجِدِ
فقال أصحابُ رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم مه مه
قال، قال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم لا تُزرِمُوهُ دعُوهُ
فتركُوهُ حتّى بال
ثُمّ إِنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم دعاهُ فقال لهُ إِنّ هذِهِ المساجِد لا تصلُحُ لِشيءٍ مِن هذا البولِ ولا القذرِ إِنّما هِي لِذِكرِ اللّهِ عزّ وجلّ والصّلاةِ وقِراءةِ القُرآنِ أو كما قال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قال فأمر رجُلا مِن القومِ فجاء بِدلوٍ مِن ماءٍ فشنّهُ عليهِ »
( صحيح مسلم )

فالصحابة الكرام لمّا رأوا ما فعله الأعرابي تحمّسوا لإنكار المنكر، حرصا على طهارة مسجدهم، وروايات الحديث تدلّ على ذلك ومنها

« فصاح به الناس »، « فثار إليه الناس »، « فزجره الناس »، « فأسرع إليه الناس »

أمّا القاعدة التي اتبعها النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهة الخطأ، فهي التأني وعدم التسرُّع، إذ أنه صلى الله عليه وسلم نظر في عواقب الأمور، وأن الأمر يدور بين احتمالين إما أن يُمنع الرجل وإما أن يُترك

وأنه لو مُنع، قد يتضرر الأعرابي من ذلك، أو أن خوف الأعرابي يكون سببا في ازدياد انتشار النجاسة في المسجد أو على جسد الرجل وثيابه، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم بثاقب نظره أن ترك الرجل هو أدنى المفسدتين، وأهون الشرّين، خصوصاً وأن الرجل قد شرع في المفسدة، والنجاسة يمكن تداركها بالتطهير، ولذلك قال لأصحابه « دعوه لا تُزرموه »، أي لا تحبسوه

ولا شك أن الحديث يدلُّ على مقدار رأفة النبي صلى الله عليه وسلم وحسن خلقه، وأنّ الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا، ولا سيما إن كان ممن يُحتاج إلى استئلاف قلبه، وكيف أنّ الصحابة رضوان الله عليهم قد تقرر عندهم أيضا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى الله عليه وسلم قبل استئذانه

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:23 am

عدم التسرع في العقوبة

روى النسائي رحمه الله عن عبّادِ بنِ شُرحبِيل رضي الله عنه قال قدِمتُ مع عُمُومتِي المدِينة، فدخلتُ حائِطًا مِن حِيطانِها، ففركتُ مِن سُنبُلِهِ، فجاء صاحِبُ الحائِطِ فأخذ كِسائِي وضربنِي، فأتيتُ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم أستعدِي عليهِ، فأرسل إِلى الرّجُلِ فجاءُوا بِهِ فقال ما حملك على هذا
فقال يا رسُول اللّهِ، إِنّهُ دخل حائِطِي فأخذ مِن سُنبُلِهِ ففركهُ
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم ما علّمتهُ إِذ كان جاهِلا، ولا أطعمتهُ إِذ كان جائِعًا، اردُد عليهِ كِساءهُ
وأمر لِي رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِوسقٍ أو نِصفِ وسقٍ

ويُستفاد من هذه القصّة أنّ معرفة ظروف المخطئ أو المتعدي يوجّه إلى الطريقة السليمة في التعامل معه
وكذلك يُلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعاقب صاحب البستان، لأنه صاحب حقّ، وإنما خطّأه في أسلوبه، ونبهه بأنّ تصرّفه مع من يجهل لم يكن بالتصرّف السليم في مثل ذلك الموقف، ثمّ أرشده إلى التصرّف الصحيح وأمره بردّ ما أخذه من ثياب الجائع

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:26 am

قبل التخطئة
وقد حدثت لعمر رضي الله عنه قصة رواها بنفسه فقال
سمِعتُ هِشام بن حكِيمِ بنِ حِزامٍ يقرأُ سُورة الفُرقانِ فِي حياةِ رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فاستمعتُ لِقِراءتِهِ، فإِذا هُو يقرأُ على حُرُوفٍ كثِيرةٍ لم يُقرِئنِيها رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فكِدتُ أُساوِرُهُ فِي الصّلاةِ، فتصبّرتُ حتّى سلّم، فلبّبتُهُ بِرِدائِهِ فقُلتُ من أقرأك هذِهِ السُّورة الّتِي سمِعتُك تقرأُ؟
قال أقرأنِيها رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم
فقُلتُ كذبت، فإِنّ رسُول اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم قد أقرأنِيها على غيرِ ما قرأت
فانطلقتُ بِهِ أقُودُهُ إِلى رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فقُلتُ إِنِّي سمِعتُ هذا يقرأُ بِسُورةِ الفُرقانِ على حُرُوفٍ لم تُقرِئنِيها
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « أرسِلهُ اقرأ يا هِشامُ »
فقرأ عليهِ القِراءة الّتِي سمِعتُهُ يقرأُ، فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « كذلِك أُنزِلت»
ثُمّ قال « اقرأ يا عُمرُ »، فقرأتُ القِراءة الّتِي أقرأنِي،
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم « كذلِك أُنزِلت إِنّ هذا القُرآن أُنزِل على سبعةِ أحرُفٍ فاقرءُوا ما تيسّر مِنهُ »
(رواه البخاري )

وفي رواية أخرى أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم عمرَ بإطلاق هشام بقوله « أرسله يا عمر »، وفي هذا تهيئة الخصمين للاستماع وهما في حال الهدوء، وفيه إشارة إلى استعجال عمر رضي الله عنه

كما أنه عليه الصلاة والسلام أمر كل واحد منهما أن يقرأ أمام الآخر، مع تصويبه وهذا أبلغ في تقرير صوابهما، وعدم خطأ أيّ منهما

وما أجمل أن يتحرى الإنسان ما يستمع من أقوالٍ قبل تخطئتها، وأن لا يستعجل بتخطئة من حكى قولا يخالف ما يعرفه إلا بعد التثبت، فربما يكون ذلك القول قولا معتبرا من أقوال أهل العلم

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:27 am

إظهار الرحمة بالمخطئ

وهذا يكون في حال من يستحقّ ذلك، ممن عظُم ندمه، واشتدَّ أسفُه، وظهرت توبته
فقد جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يسأله عن أمر فعله، وقد جاء ناقما على نفسه، آسفا على فعلته، خائفا من عاقبة أمره
عن أبِي هُريرة، أنّ أعرابِيًّا جاء يلطِمُ وجههُ، وينتِفُ شعرهُ، ويقُولُ ما أُرانِي إِلا قد هلكتُ
فقال لهُ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم وما أهلكك؟
قال أصبتُ أهلِي فِي رمضان
قال أتستطِيعُ أن تُعتِق رقبةً؟
قال لا
قال أتستطِيعُ أن تصُوم شهرينِ مُتتابِعينِ؟
قال لا
قال أتستطِيعُ أن تُطعِم سِتِّين مِسكِينًا؟
قال لا وذكر الحاجة
قال فأُتِي رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم بِزِنبِيلٍ وهُو المِكتلُ فِيهِ خمسة عشر صاعًا أحسبُهُ تمرًا
قال النّبِيُّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم أين الرّجُلُ؟ قال أطعِم هذا
قال يا رسُول اللّهِ ما بين لابتيها أحدٌ أحوجُ مِنّا أهلُ بيتٍ
قال فضحِك رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم حتّى بدت أنيابُهُ، قال أطعِم أهلك

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:29 am

تصحيح التصور الذي حصل الخطأ نتيجة لاختلاله

ففي صحيح البخاري عن حُميدِ بنِ أبِي حُميدٍ الطّوِيلِ أنّهُ سمِع أنس بن مالِكٍ رضِي اللّهُ عنهُ يقُولُ
« جاء ثلاثةُ رهطٍ إِلى بُيُوتِ أزواجِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم يسألُون عن عِبادةِ النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، فلمّا أُخبِرُوا كأنّهُم تقالُّوها، أي رأى كل منهم أنها قليلة
فقالُوا وأين نحنُ مِن النّبِيِّ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم، قد غُفِر لهُ ما تقدّم مِن ذنبِهِ وما تأخّر، أي أنهم ظنوا بأن من لم يعلم مغفرة ذنوبه يحتاج إلى المبالغة في العبادة أكثر من النبي صلى الله عليه وسلم رجاء أن تحصل له المغفرة
قال أحدُهُم أمّا أنا فإِنِّي أُصلِّي اللّيل أبدًا
وقال آخرُ أنا أصُومُ الدّهر ولا أُفطِرُ
وقال آخرُ أنا أعتزِلُ النِّساء فلا أتزوّجُ أبدًا
فجاء رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم إِليهِم فقال أنتُمُ الّذِين قُلتُم كذا وكذا، أما واللّهِ إِنِّي لأخشاكُم لِلّهِ وأتقاكُم لهُ، لكِنِّي أصُومُ وأُفطِرُ، وأُصلِّي وأرقُدُ، وأتزوّجُ، وفي رواية مسلم وأتزوّجُ النِّساء فمن رغِب عن سُنّتِي فليس مِنِّي »
( صحيح مسلم )


فالنبي صلى الله عليه وسلم أتاهم فوعظهم في أنفسهم فيما بينه وبينهم، ولمّا أراد أن يعلّم الناس عموما أبهمهم ولم يفضحهم وإنما قال « ما بال أقوام »، وهذا رفقا بهم وسترا عليهم، مع تحصيل المصلحة في الإخبار العام

وفي الحديث تتبّع أحوال الأكابر للتأسي بأفعالهم، والسير على منوالهم، وأنّ التنقيب عن ذلك من كمال العقل، والسعي في تربية النفس

وأنه لا بأس بحديث المرء عن عمله، إذا أمِن الرياء، وكان في الإخبار منفعة للآخرين

وفيه أنّ الأخذ بالتشديد في العبادة يؤدي إلى إملال النفس القاطع لها عن أصل العبادة، وخير الأمور أوساطها

وأن الأخطاء عموما تنشأ من خلل في التصورات، فإذا صَلُحَ التصوّر قلّت الأخطاء كثيرا، وواضح من الحديث أن السبب الذي دفع أولئك الصحابة إلى تلك الصور، من التبتّل والرهبانية والتشديد هو ظنّهم أن لا بد من الزيادة على عبادة النبي صلى الله عليه وسلم رجاء النجاة، حيث أنه أُخبر من ربه بالمغفرة بخلافهم، فصحَّحَ لهم النبي صلى الله عليه وسلم تصورهم المجانب للصواب، وأخبرهم بأنه مع كونه مغفورا له، فإنه أخشى الناس وأتقاهم لله، وأمرهم بأن يلزموا سنته وطريقته في العبادة

واثق الخطوة
عزم العزائم وسرّها
مشاركات: 4609
اشترك في: الاثنين ديسمبر 14, 2009 12:34 pm

مواقف تربوية من السيرة

مشاركة بواسطة واثق الخطوة » الاثنين إبريل 30, 2012 4:31 am

تصحيح التصور الذي حصل الخطأ نتيجة لاختلاله
وقريبٌ من هذا ما حصل لأحد الصحابة، وهو كهمس الهلالي رضي الله عنه، الذي روى قصته فقال « أسلمت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بإسلامي فمكثت حولا وقد ضمرت ونحل جسمي ثم أتيته فخفض فيّ البصر ثمّ رفعه
قلت أما تعرفني؟
قال ومن أنت؟
قلت أنا كهمِس الهلالي،
قالفما بلغ بك ما أرى؟
قلت ما أفطرت بعدك نهارا ولا نمت ليلا،
فقال ومن أمرك أن تعذّب نفسك ؟!
صم شهر الصبر ومن كل شهر يوما
قلت زدني،
قال صم شهر الصبر ومن كل شهر يومين،
قلت زدني أجد قوة،
قال صم شهر الصبر ومن كلّ شهر ثلاثة أيام »
( رواه الطبراني في الكبير )


ومن الخلل في التصورات ما يكون متعلقا بموازين تقويم الأشخاص والنظرة إليهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلّم حريصا على تصحيح ذلك وبيانه، ففي صحيح البخاري عن سهلِ بنِ سعدٍ السّاعِدِيِّ أنّهُ قال
مرّ رجُلٌ على رسُولِ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم فقال لرجُلٍ عِندهُ جالِسٍ ما رأيُك فِي هذا؟
فقال رجُلٌ مِن أشرافِ النّاسِ هذا واللّهِ حرِيٌّ إِن خطب أن يُنكح، وإِن شفع أن يُشفّع،
قال فسكت رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم،
ثُمّ مرّ رجُلٌ آخرُ، فقال لهُ رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم ما رأيُك فِي هذا؟
فقال يا رسُول اللّهِ هذا رجُلٌ مِن فُقراءِ المُسلِمِين هذا حرِيٌّ إِن خطب أن لا يُنكح، وإِن شفع أن لا يُشفّع، وإِن قال أن لا يُسمع لِقولِهِ
فقال رسُولُ اللّهِ صلّى اللّهُ عليهِ وسلّم هذا خيرٌ مِن مِلءِ الأرضِ مِثل هذا

أضف رد جديد

العودة إلى ”عبر في حياة النبي محمد صلى الله عليه و سلم“